صورتان متعارضتان أشد التعارض لنموذج الابن تجدهما جنبا إلى جنب في سورة من سور القرآن الكريم.
أنتِ وأنا وأنتَ نلتقي بهذين النموذجين في حياتنا اليومية: في أسرنا، أو بين الأصدقاء والزملاء.
النموذج الأول صالح، وهو رجل تتوسم فيه فعلا الصلاح، في المسلك والحديث والملبس. ملابسه فضفاضة لا تكشف تفاصيل الجسم، ألوانها غير زاعقة أو زاهية. يمشى هادئ الخطو معتدلا ودون عجلة. وكلامه قليل لكنه يفيض سكينة وروحانية.
يعيش صالح مع والديه اللذين يجلهما كثيرا ويحسن معاملتهما مستحضرا دائما وصية الله تعالى لنا ”ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا“.
وينأى بنفسه عن الانخراط في مجالس الهزل أو الهذر، ويحاول دوما الحفاظ على وقار ألزم نفسه به، حتى لا يقع فريسة السخرية أو الاستهزاء، بعد أن بلغ الأشد، وأتم الأربعين من عمره.
ويكرس صالح قسطا من وقته متعبدا وقارئا للقرآن ومتضرعا لله تعالى بأن يجعله من الشاكرين لنعمته، في نفسه وفي والديه، وفي ذريته.
في البيت المجاور لمنزله يعيش ”متعب“ هو ووالداه، وهو في سن يقارب عمر صالح، بيد أنه شخصية مناقضة له تماما.
ما رأيته إلا عجولا مندفعا في مِشيته وفي هيئته وفي أحاديثه. عصبي المزاج تثيره الكلمة فيفلتَ منه اللجامَ. فظ مع والديه لا يقبل منهما نصحا، ولا ينصت لحديث لهما، وما أكثر ما يتأفف منهما. معجب بذاته منتشٍ بما حصله من علم وما قرأه من كتب. يعيش يومه بيومه وليومه. يكرس كل يوم وقتا طويلا لجلساته خارج البيت التي يقضيها مع أصدقاء مختارين يتحاورون ويسكرون ويأكلون.
العالم بالنسبة إليه وُجد صدفة، والناس فيه يولدون ويتناسلون ويموتون كما توجد البكتريا وتتكاثر وتندثر. ليس لمعتقد لديه مكان، فلا قيامة ولا بعث، ولا تكاليف، فلا صوم ولا صلاة، ولا عبادة. أو لا يجعل هذا الحياة أسهل: نولد فنأكل ونشرب ونتزوج وتمتع لنموت في النهاية؟ هكذا يعيش متعب لأنه هكذا قرأ في الكتب، وهكذا سمع، فاعتنق ما قرأ وما سمع.
نصحه والداه في حديث معه ذات مرة أن يرعوي عن غيه وأفكاره الغريبة عليهما، وأن يدرك أن الناس جميعا سيبعثون ويحاسبون عما فعلوه في هذه الدنيا، فتأفف من حديثهما ورد عليهما وكأنه يُلقمهما حجة تفحمهما إلى الأبد: هل تتوهمان أني سأحيى بعدما أموت؟ إذن خبراني أين ملايين الموتى قبلنا؟ هل سمعتما عن عودة أحدهم أو إحداهن إلى الحياة؟ هذه أساطير وخرافات، ليست بحقائق مادية ملموسة يساندها العلم.
ولم يستجب متعب حتى لاستغاثة والديه المتكررة له، اللذين كانا يخشيان عليه من مصير محتوم يفرّق بينهما وبينه، كما فرق الغرور بالدنيا بين نوح وابنه، الذي ظن أن الجبل سيعصمه من الغرق في الطوفان.
فأي النموذجين تختارون لأولادكم، صالح أو متعب، وهم في سن لا يحتاجون فيه إلى التربية وتوفير المسكن والغذاء والملبس فحسب، بل هم في حاجة أمس إلى الرعاية والهداية والإرشاد؟ وهم لهذه الرعاية والهداية محتاجون أكثر هذه الأيام، وبخاصة حين نتركهم للمدارس أو المعاهد، ونلقي بهم منذ الصغر، ودون طوق نجاة، في أتون التلفاز وأفلام الأطفال الغربية، والهواتف المحمولة ووسائل التواصل والاجتماعي وعوالم الإنترنت، لنتخلص من إزعاجهم أحيانا. إنهم الآن أضحوا يختلطون بصنوف شتى من الطلاب والزملاء، ويقرأون ويشاهدون معلومات مختلفة، جلها زائف أو مضلل، وقليل منها يستند إلى جزء من الحقيقة. فمدوا أيديكم إلى أولادكم
هذان النموذجان البشريان، صالح ومتعب، تصورهما بعض آيات سورة الأحقاف، التي تقول:
“وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ﴿١٥﴾ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴿١٦﴾ وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ﴿١٧﴾”
مرتبط
اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.