نماذج بشرية في القرآن الكريم: ١- الهُمَزة اللُمَزة

نماذج بشرية في القرآن الكريم

من بين النماذج البشرية التي تصورها آيات القرآن الكريم بجلاء، نموذج الهماز اللماز، أو (الهُمَزة اللُمَزة). وهو نموذج يعيش بيننا، وعاش نظراء له في مكة وقت التنزيل. وهو شخصية قد نراها في بيوتنا، بين أفراد أسرنا، كما أننا لا نخطئها في أماكن العمل بين من يزاملوننا. ونشاهدها بين الساسة والزعماء، على شاشات التلفاز ومحطات الإذاعة وصفحات المواقع الإخبارية.

وأهم ملامح هذا النموذج البشري أنه (عيّاب)، يمشي بالنميمة بين الناس ويعيب هذا وذاك من وراء ظهورهم، ويطعن في هذا وهذه في وجوههم ويستهزئ بهم ويسخر منهم. وسلاحه في ممارسة الغمز واللمز والهمز وإفشاء النميمة لسانه الحاد وعيناه الزائغتان ويداه الملوحتان هنا وهناك، وربما جوارح أخرى. 

والطعن في الناس عنده ليس صفة عارضة، بل عادة ملازمة له لا تفارقه. ولهذا استخدمت آيات القرآن الحكيم صيغة المبالغة (هُمَزة لُمَزة) المنتهية بتاء التأنيث لتصوير بلوغ هذا الملمح عنده منتهاه.

أما الملمح الثاني لهذه الشخصية فهو (حبه للمال وتجميعه). وليس المقصود بالمال هنا النقود والعملات، بل العقارات والأسهم والأراضي والذهب والفضة والتحف وغيرها. 

وقد يوهم الثراء الفاحش بعض من يمتلكونه أحيانا بأنهم يستطيعون شراء أي شيء أو تحقيق أي شيء أو حتى التغلب على حقائق الوجود كالموت وإدراك الخلود من بعد.

وربما يشعر صاحب هذه الشخصية، بما لديه من أموال وعقارات وذهب، بشيء من الفوقية على أهله وأفراد المجتمع، وقد يكون هذا الشعور بالتعالي هو الدافع وراء استهزائه وسخريته من غيره، وهمزهم ولمزهم حينا بعد حين.

وهذا الغرور والتعالي بالثروة والثراء هو ما سيودي بهذه الشخصية وأمثالها إلى الهاوية والسقوط والويل.

وقد اكتملت صفات هذا النموذج جميعا في دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، الذي لم يسلم أحد من لسانه، وإشارات يديه واستهزائه المقيت. وهو مالك عقارات كبير، لكنه غير قانع، بل يريد أن يجمع المزيد، وأن يستولي على أراضي الآخرين في غزة وفي جرينلاند وكندا وبنما بالقوة والعنفوان.

هذا الهُمزة اللمزة هو ما ترسم ملامح شخصيته، وتنذرنا بمصيره المحتوم حتى لا نقع فيما وقع فيه، سورة (الهمزة) التي تقول آياتها الكريمة: 

(وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ ﴿١﴾ ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ ﴿٢﴾ يَحۡسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخۡلَدَهُۥ ﴿٣﴾ كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِ ﴿٤﴾ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحُطَمَةُ ﴿٥﴾ نَارُ ٱللَّهِ ٱلۡمُوقَدَةُ ﴿٦﴾ ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلۡأَفۡـِٔدَةِ ﴿٧﴾ إِنَّهَا عَلَيۡهِم مُّؤۡصَدَةٞ ﴿٨﴾ فِي عَمَدٖ مُّمَدَّدَةِۭ ﴿٩﴾).

صدق الله العظيم ورمضان كريم


اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

للمشاركة على :

اترك تعليقك

البحث

محمد العشيري

عملت محاضرًا في اللغة والثقافة العربية في جامعة برمنجهام البريطانية. درَستُ علم الأصوات اللغوية وعلم اللغة وتخصصت فيهما، ثم درَّستهما فيما بعد. وتشمل مجالات اهتمامي علوم اللغة العربية، والخطاب الإسلامي، واللغة في وسائل الإعلام. عملت أيضًا في جامعة وستمنستر في لندن، وجامعة عين شمس المصرية في القاهرة. وعملت مذيعا ومقدم ومعد برامج في هيئة الإذاعة البريطانية. من بين مؤلفاتي: “أصوات التلاوة في مصر: دراسة صوتية، و“عربية القرآن: مقدمة قصيرة”، و”كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية والعربية لأبي حاتم الرازي: دراسة لغوية”. ونشرت مجموعة قصصية تحت عنوان “حرم المرحوم” وكتبا أخرى.