رحلة منير عبيد: من الجامعة الأمريكية إلى ”بوش هاوس“

منير عبيد (من صفحته على فيسبوك)

لم يكن لقائي الأول معك يا منير في ”بوش هاوس“، بل كان في جامعة وستمنيستر. كنتَ آنذاك أحد أعضاء هيئة تدريس العربية للناطقين بغيرها في فصول الجامعة المسائية، وكنتُ أنا قد التحقت بهيئة التدريس عضوا جديدا فيها. وأكاد أجزم أن هذا جانب من قدراتك ومهاراتك ربما لا يعرفه كثيرون عنك. 

ودار بيننا في ذلك اليوم قبل سنوات وسنوات حديث بهدف التعارف، وربما كانت ملامحي المصرية أحد دوافعه. 

وعرفت خلال ذاك الحديث أنك من مدينة الفيوم، التي انحدرت أنا منها،  وتطرق الحديث بيننا إلى عمل كل منا الأساسي، الذي يمارسه في ساعات النهار. وكم شدني الحديث حينما عرفت أنك مذيع في القسم العربي بـ”هيئة الإذاعة البريطانية“، إذ كان حلم الإذاعة وقتها يراودني منذ سنوات. 

ودعوتني إلى زيارتك في ”بوش هاوس“، لإجراء ”اختبار صوت“ لما لمست مني رغبة في ذلك. 

ولمست منك رعاية وصبرا وحنوا حتى وضعت قدمي على الطريق. وكان أول برنامج أشارك فيه هو برنامجك ”السياسة بين السائل والمجيب“. كنت أنت معد البرنامج ومقدمه ومخرجه، وشارك في تلك الحلقة المذيعة المقدسية سلوى أبو السعود، رحمها الله تعالى، والمذيع الفلسطيني ذو الصوت الجهوري زيدان ياسين.

وآثرتني بالعمل معك في برامجك الأخرى المتنوعة التي كانت في معظمها تدور على الفنون والثقافة. وكان منها، إلى جانب السياسة، ”موزاييك“، و”عالم الكتب“، و”الرأي الآخر“، ثم برنامج آخر كان يعالج قضايا الدين لدى الشعوب، هو ”عالم بلا حدود“. 

ولم تكتف فقط بإفساح المجال لي للعمل في برامجك تلك، بل شجعتني على كتابة بعض المواد أيضا. وزكيت اسمي لإعداد برنامجك ”عالم بلا حدود“، عندما اضطررتَ أنت إلى السفر لفترة طالت أكثر من ثلاثة أو أربعة أسابيع.

واستضفتني في برنامج ”الرأي الآخر“، حينما كنت تعده وتقدمه، لأحاور لغويا آخر بشأن قضية تجديد اللغة.

وكم كنتُ أستمتع بمشاركتك في تلك البرامج، لما فيها من تثقيف وتوعية لي خلال رحلتي الدراسية التي انكببتُ فيها على دراسة جافة بعض الشيء، وهي دراسة علم اللغة بصفة عامة، وعلم الأصوات والتحليل الصوتي، بصفة خاصة.

وأدهشتني معرفتك العميقة بعلم اللغة، وبنظرية تشومسكي في البنية العميقة للكلام، وكيفية تطبيقها على لغتنا العربية. وراقني تحليلك لبعض القواعد والتراكيب العربية، لأني رأيت فيها نظرة جديدة ابتعدت عن ترديد المقولات القديمة التي تملأ كتب النحو. وربما كانت تلك النظرة وليدة ممارستك لتدريس العربية للأجانب، ليس في بريطانيا فحسب، بل في السويد أيضا التي عشت فيها سنوات، وعرفت لغتها، وكتبت بها كتابا في تعليم العربية.

وعندما توليت رئاسة تحرير مجلة ”هنا لندن“، وهذه فترة قد يغفل عنها بعض من عرفوك عن قرب، أعطيتني الفرصة لنشر بعض كتاباتي ومنها إحدى قصصي القصيرة. وعرفت خلال تلك الفترة شدة حبك لطه حسين وكتاباته، بل أذكر أنك كتبت عنه غير مرة. وكم آلمك ضياع كثير من تسجيلاته التي خص بها هيئة الإذاعة البريطانية، هو وعباس محمود العقاد وغيرهما من كبار المفكرين.   

رأيت فيك يا منير محبا للعربية دفعه حبه لها إلى ترك دراسته في قسم الكيمياء في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بعد أن قضى فيها نحو سنة أو أكثر، ليلتحق بقسم اللغة العربية بالجامعة نفسها.

ومن هنا جاء تعلقك بكل محب للعربية ومبدع فيها، ومن بينهم الشاعر والإذاعي فاروق شوشة صاحب برنامج ”لغتنا الجميلة“.  

منير عبيد وفاروق شوشة في جلسة ودية (من صفحة منير عبيد في فيسبوك)
منير عبيد وفاروق شوشة في جلسة ودية.

ورأيتك عابدا في محراب الإذاعة، أتقنت صنعتها، وسلكت دروبها وأبدعت في فنونها جميعا.

ورأيتك عاشقا للفنون قاطبة من سينما ومسرح وموسيقى ورسم، تتابع جديدها وتضعه بين يدي مستمعيك لينهلوا منه، وتحضر مهرجاناتها، ولا تفوت الفرصة للقاء مبدعيها من فنانين ومخرجين وكتاب. 

بل كان زواجك من الكاتبة الفنانة رولا هو ثمرة هذا العشق. وكم سعدت بزيجتك عندما سمعت بخبرها، لأنك فعلا كنت بحاجة إلى شريكة محبة تؤنس وحدتك التي عانيت منها طويلا بسبب معاشرة المرض لك فيها.

رولا عبيد ومنير عبيد (من صفحة رولا عبيد في فيسبوك)
رولا عبيد ومنير عبيد

ولا أنسى أنك فجعت في حياتك بوفاة شقيقك الأصغر، الذي أنهى دراسته في بريطانيا ثم عاد ليتدرج في السلك الأكاديمي في كلية الطب بجامعة الأزهر، وكنت لأولاده، من بعده، أبا حنونا معطاء، ومن قبله بوفاة شقيقتك الكبرى، رحمهما الله تعالى.

وقد آن لك أن تستريح الآن يا صديقي العزيز في جوار رب كريم

    


اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

للمشاركة على :

اترك تعليقك

البحث

محمد العشيري

عملت محاضرًا في اللغة والثقافة العربية في جامعة برمنجهام البريطانية. درَستُ علم الأصوات اللغوية وعلم اللغة وتخصصت فيهما، ثم درَّستهما فيما بعد. وتشمل مجالات اهتمامي علوم اللغة العربية، والخطاب الإسلامي، واللغة في وسائل الإعلام. عملت أيضًا في جامعة وستمنستر في لندن، وجامعة عين شمس المصرية في القاهرة. وعملت مذيعا ومقدم ومعد برامج في هيئة الإذاعة البريطانية. من بين مؤلفاتي: “أصوات التلاوة في مصر: دراسة صوتية، و“عربية القرآن: مقدمة قصيرة”، و”كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية والعربية لأبي حاتم الرازي: دراسة لغوية”. ونشرت مجموعة قصصية تحت عنوان “حرم المرحوم” وكتبا أخرى.