كنتُ في صحبتك عدة ساعات، يا ”أبا كايد“، هكذا اعتدنا أن نناديك يا أخي العزيز سالم. قضيتها معك، وأنا أستمع إلى صوتك المميز ذي البحة الحنونة الحزينة من خلال كتابك ”خمسون عاما وراء الميكروفون“.
قدتنا في صفحاته من قرية ”الصبيحي“ في مدينة السلط في الأردن، حيث نشأت يتيما بعد وفاة والدك كايد، إلى مدرسة ”معدي الثانوية للبنين“ في الأغوار الوسطى، ثم إلى ”كلية الشهيد فيصل الثاني“ في عمان، حيث أنهيت دراستك الثانوية.
ثم حان موعد تحقيقك لجزء من حلمك بأن تكون مذيعا، وهو ما أدركته بالتحاقك بالإذاعة الأردنية.
وأخذتنا بعد ذلك إلى لندن حيث بدأت مشوارك مع بي بي سي لتدرك بقية الحلم.
ثم عرجت بنا إلى دبي حيث التحقت بإذاعة إم بي سي، لتعود بنا مرة أخرى في نهاية المطاف إلى لندن مستكملا مشوارك في بي بي سي، حتى انقطع البث وأغلقت الإذاعة فيها أبوابها في ٢٧ يناير عام ٢٠٢٣.
لكن لم يطب لك المقام بعدها يا أبا كايد، فتركتنا وشرعت في رحلة طويلة الآماد.
صفحات كتابك ليست سوى حديث رجل خُلق ليكون مذيعا. فأنت تخاطب قراءك فيه خطابا ودودا بوصفهم إخوة مستمعين. بل توجه كلامك إليهم ”بسيداتي سادتي“، وكأنك وأنت تكتب لما تزل تشعر أنك وراء الميكروفون.
وحديثك يا سالم حديث الرجل الذي عرفناه: سمته الهدوء وصفته التواضع الجم. فأنت لم تخجل من أن تقول لنا إنك نشأت فقيرا، لكنك كنت على يقين أن الله تعالى سيغنيك من فضله. وحتى برامجك التي قدمتها في الإذاعة الأردنية كانت عن البسطاء من الناس، الذين تعاطفت معهم لأنك عايشت معاناتهم.
لمست في صوتك يا أبا كايد نبرة حزن، آختها نظرة حزينة في عينيك. وعرفت من حديثك معي أن موت والدك، وأنت لما تزل رضيعا، ترك جرحا غائرا في نفسك، ربما لم يلتئم بالرغم من كر السنين.
وسلني أنا، فقد عانيت مصيبة فقد الأب وأنا طفل في التاسعة، ولما أزل أفتقد أبي حتى الآن. وما زال أثر فقده يصبغ كثيرا من كتاباتي الإبداعية.
وربما كان فقدك لأبيك يا سالم هو الذي نشّأك إنسانا عطوفا، محبا للناس.
وكان لدراستك في ”كلية الشهيد فيصل الثاني“ أثر آخر، جعلك تلتزم بالضبط والربط، ودقة المواعيد. وهذه صفة مهمة في المذيع الذي يقرأ نشرات الأخبار ويقدم بعض البرامج في أوقات محددة يوميا أو أسبوعيا. وكنت فعلا خير مثال في هذا.
بيد أن الدراسة في مدرسة عسكرية لم تصبغ طبعك بصرامة نعهدها في كثير ممن تخرجوا فيها. بل كنت رجلا طيب الخلق، طيعا، وادعا، حتى في كلامك ونبرة صوتك.
وكم لمست في حديثك حرصك على البعد عن الحديث عن إنجازاتك خلال رحلتك المهنية، التي قابلت فيها كثيرا من المسؤولين، وقدمت فيها الكثير من البرامج. وكنتَ إن اضطررت إلى ذكر إحدى تلك المقابلات، أو الأعمال الإذاعية التي أنجزتها، تسارع إلى تأكيد أن ذكرك لها ليس من باب التفاخر أبدا. وهذه سمة الرجل المتواضع الذي عهدناه.
لا أذكر يا سالم أننا عملنا معا في برنامج واحد. فقد فرقنا تشعب العمل داخل بي بي سي. وكما تركت أنت بي بي سي لتعمل في إم بي سي في دبي، تركت أنا أيضا الهيئة لأعمل في مجال آخر لعدة سنوات. وعندما عدتَ أنت ظللت وراء الميكروفون. أما أنا فقد آثرت عند عودتي أن أعمل في صفحة بي بي سي على الأونلاين، لأني كنت مولعا بتلك التقنية الجديدة.
بيد أن علاقتنا ظلت بحمد الله وطيدة. وكم كنت أسعد بحديثي معك. وكنت ألمس تواضعك الجم فيما تطرحه أحيانا من أسئلة. وهذا ديدن الصحفي الحق. وهذه صفة ربما تفتقدها ثلة كبيرة من شباب الصحفيين هذه الأيام.
كم استمتعت بحديثك يا أبا كايد، لكني في الوقت نفسه أحسست بغصة لأنه كان حديثا عن بعد.
وبالرغم من غيابك يا سالم، فمازلت أراك في نجلك إبراهيم، الذي لم يرث عنك فقط الهيئة والسمت، بل ورث أيضا نبرة الصوت الحنون الهادئ والبحة المحببة فيه.
رحمك الله تعالى يا أبا كايد، ورعى ولديك وبنتيك وزوجك البارة وبارك فيهم جميعا.
مرتبط
اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



