”أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية اللبنانية بأن قوات إسرائيلية وصلت خلال الليل إلى أطراف بلدة دبين الجنوبية.“
قلت حينما وضعت هذا النص الصحفي الذي نشرته أمس على صفحتي في فيسبوك إن به خطأ يخالف السليقة العربية.
وربما لم يلتفت بعض القراء إلى تعبير ”السليقة العربية“، الذي كان الغرض من وضعه إرشادهم إلى أن الخطأ لغوي لا تقبله السليقة العربية.
وأشار – بناء على ذلك – بعض المتابعين في تعليقاتهم إلى ملاحظات أخرى قيمة تتعلق ببعض ألفاظ النص، أشكرهم عليها، بيد أني لن أقف عندها، حتى لا أحيد عن الخطأ المقصود الذي وضع بعض المتابعين النابهين أيديهم عليه، والذي أريد تحليله هنا، كي نتعلم منه جميعا، فلا نكرره.
يكمن هذا الخطأ في العبارة الأولى من النص، وهي:
”.. الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية اللبنانية“
والمشكلة اللغوية هنا هي تتابع بعض الصفات التي تصف ”الوكالة“، وهذه الصفات هي: ”الوطنية“، و”الرسمية“، و”اللبنانية“.
لكن كيف نرتبها؟
هل يجوز أن نقول:
(الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية اللبنانية)، أو
(الوكالة الرسمية الوطنية للإعلام اللبنانية)، أو
(الوكالة الرسمية اللبنانية الوطنية للإعلام)، أو
(الوكالة اللبنانية للإعلام الوطنية الرسمية)، أو
(الوكالة اللبنانية الوطنية الرسمية للإعلام)؟
هذه الصفات الثلاثة، اللبنانية والوطنية والرسمية، نعوت لذات الوكالة، فهل يتمتع الصحفي يا تُرى بحرية ترتيبها؟
ليس بوسع الصحفي أن يفعل ذلك، فينحو منحى كاتب ذلك الخبر، متأثرا – فيما أظن – بصياغة الخبر إما في الإنجليزية وإما في الفرنسية. وثمة قواعد يجب مراعاتها في العربية في ترتيب الصفات المتتابعة، كما أن للإنجليزية قواعد تتبع. وقد أفاض بعض الدارسين في شرح قواعد ترتيب الصفات، خاصة في اللغة الإنجليزية، لأنها قواعد صارمة لا يجوز مجافاتها.
ويحكم تلك القواعد دلالات الصفات، فإن كان لديك مجموعة من صفات اسم ما تدل علـى الشكل، والرأي، والأصل أو الجنسية، واللون، مثلا، فرضت عليك القاعدة ترتيبها على النحو التالي:
الرأي، ثم الحجم، ثم العمر، ثم الشكل، ثم اللون، ثم الأصل، فتقول مثلا: (This is a lovely big blue Japanese car).
أما قاعدة ترتيب الصفات المتتابعة في العربية فتكاد تكون صورة معكوسة لهذا الترتيب، لأنها تبدأ بالصفات الدالة على الأصل (الجنسية). وتتبع نظاما تُرتب فيه الصفات بعد ذلك بحسب اتساع نطاق دلالاتها، فنبدأ بالأصل لأنه أوسع نطاقا ثم نثني بما هو أضيق وهكذا:
اللبنانية (الأصل – الجنسية)
الوطنية (نطاقها أقل عددا)
الرسمية (نطاقها محدود بواحدة فقط)
فنقول:
(الوكالة اللبنانية الوطنية الرسمية للإعلام)
بادئين بالأصل أو الجنسية، فنقول الوكالة اللبنانية، فدلالتها أوسع نطاقا. ثم نثني بالوطنية، وهي صفة أضيق نطاقا من اللبنانية، إذ ليست كل وكالة في البلاد لبنانية، فربما توجد وكالات إعلام أخرى أجنبية. ثم نضيف صفة الرسمية، وهي أضيق الصفات نطاقا لأن الوكالة الرسمية التابعة للدولة والحكومة وكالة واحدة، ولا توجد وكالة غيرها تتمتع بهذه الصفة.
وهكذا ندرك أن ما اختاره كاتب الخبر في صياغته على النحو السابق (”الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية اللبنانية“) كان مخالفا لقاعدة ترتيب الصفات في العربية الفصيحة، التي تبدأ بالصفة الدالة على الأصل، ثم تُتبعها بالصفات الأضيق نطاقا دلاليا. وهذا ما يتماشى والسليقة العربية، التي ربما لا تتوافر لدى بعض الصحفيين الذين قلّت حصيلتهم اللغوية في اللغة العربية، ووقعوا أسرى لغات أجنبية تراعى قواعد مختلفة عن قواعد العربية في كثير من الأبواب، وبخاصة باب ترتيب الصفات المتتابعة.
مرتبط
اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



