مولد النبي: ما انتصرنا لك

بين يدي النبي

تغمرني رغبة جامحة في أن أتحدث إليك.

سيطرت على فكري الرغبة نهار يومي، وظلت تهيمن على وجداني حتى حل المساء. وغلبني النعاس فنمت.

رأيتني أسير في طرق المدينة، وشاهدتك تقف في أول الطريق تتلفت، وقد لاحت أمارات الدهشة على وجهك. ورأيتني أسرع الخطى نحوك. وبادرتك بالسؤال:

– سيدي، هل أنت … ؟

وبإيماءة خفيفة، وابتسامة سمحة أجبت بالإيجاب.

– ولكن، متى رجعت؟

– أنا لما أزل هنا، في هذا الركن، وفي تلك الناحية، وهاته الزاوية، وذلك البيت، وذاك الشارع، في هذه المدينة، وتلك القرية، وفي كل جزء، وكل صفحة، وفي كل سطر.

– لكنا لا نراك، ولا نسمعك!

– وهل أنتم تبصرون؟ وهل أنتم تسمعون؟

عجبت من السؤال، لكن تأملي في السؤال لم يدم طويلا، فقد هزني سيل الكلام.

– بل تروون، أحاديث وأحاديث. وكم قلتم، وقلتم. ورضيتم بما تقولتم. وحاربتم كل ذي لُب تجرأ على رفع صوته، لينبهكم إلى خطيآتكم، ورميتموه بالهرطقة، والمروق، والخروج من الملة.

ورأيتك ترمقني بنظرة حانية يكسوها إشفاق.

– هذا الرجل الذي صنعتموه، ليس لي به صلة، ولا أعرفه. وقد تتساءل في صدرك (ومن أنت إذن؟) والحق أقول لك: أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد، أنا رجل مثلكم، أنا بشر، لست ملاكا، ولا أعلم الغيب. بيد أني كنت موصولا بحبل من السماء، وبوحي يواتيني بما أقول لكم.

وشعرت ببرودة تسري في عظامي خجلا، ووددت لو كنت أستطيع أن أعتذر، لكن الكلام تحشرج في فمي. وصمت برهة ثم استجمعت قوتي، ورأيتني أقول في صوت خافت

– ما أنصفناك يا سيدي !

وفي بسمته الحانية همس

– كفى بربي شهيدا

قلتم، وقلتم، وقلتم عنه. ورضيتم بما تقولتم. وحاربتم كل ذي لُب تجرأ على رفع صوته، لينبهكم إلى خطيآتكم، ورميتموه بالهرطقة، والمروق، والخروج من الملة

– كل ما نفعله يا سيدي هو شقشقة، وشقشقة، وتكرار أحرف وعبارات قد لا يسعنا الوقت حتى لاستيعاب ما تعني. ما انتصرنا لك يا سيدي ! أين سيرتك فينا؟ هل سيرتك في لباس نرتديه؟ أو في لحية نطلقها؟ أو في سواك نستاك به؟ أو في أوراد نرددها صباح مساء؟ أو في أقوال نرويها ونرويها، بلا إعمال عقل؟ ليست هذه سيرتك، وليس في هذا انتصار لك.

– الانتصار لك أن نفعل، أن نقتدي في مسلكنا، قبل ملفظنا، بك. أن نكون بين أهلينا ومجتمعاتنا، في البيت، وفي العمل، وفي الطريق، أنموذجا رسمته أنت بأفعالك. أن نود ونحب الجار والصاحب وبني البشر كلهم جميعا، بلا تفريق بسبب قبيلة، أو منصب، أو نسب، أو ملة، أو مذهب، أو عقيدة، فنحن أبناء مجتمع واحد، وبناة مجتمع واحد. وكيف يكون البناء لو تفرقت السبل بالبناة؟

ورأيتني فجأة وحدي، ثم أدركت أني لما أزل في غرفة نومي جالسا على كرسي المعتاد، وفي يدي مصحفي “وإنك لعلى خلق عظيم”.


اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

للمشاركة على :

تعليق واحد

  1. قرأت اليوم ” مولد النبي: ما انتصرنا لك ”
    وقد أجريت حديثا بينك وخير البشرفي صياغة فنية، ذكرني بمسرحية توفيق الحكيم عن الرسول الكريم
    التي صدرت في النصف الأول من القرن العشرين. واعتمد على كتب من التراث عند صياغة الوقائع
    الواردة فيها، بل تحرى الكلام الذي أجراه على لسان النبي في كتابه من نصوص في كتب معتمدة
    رغم أنه عمل فني.
    صلى الله وسلم على حبيبنا سيدنا محمد نبينا وقدوتنا ومعلمنا خير البشر.

اترك رداً على محمودإلغاء الرد

البحث

محمد العشيري

عملت محاضرًا في اللغة والثقافة العربية في جامعة برمنجهام البريطانية. درَستُ علم الأصوات اللغوية وعلم اللغة وتخصصت فيهما، ثم درَّستهما فيما بعد. وتشمل مجالات اهتمامي علوم اللغة العربية، والخطاب الإسلامي، واللغة في وسائل الإعلام. عملت أيضًا في جامعة وستمنستر في لندن، وجامعة عين شمس المصرية في القاهرة. وعملت مذيعا ومقدم ومعد برامج في هيئة الإذاعة البريطانية. من بين مؤلفاتي: “أصوات التلاوة في مصر: دراسة صوتية، و“عربية القرآن: مقدمة قصيرة”، و”كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية والعربية لأبي حاتم الرازي: دراسة لغوية”. ونشرت مجموعة قصصية تحت عنوان “حرم المرحوم” وكتبا أخرى.