يتخذ موقع بي بي سي باللغة الإنجليزية موقفا مناوئا من دولة فلسطين.
بدأت ملامح هذا الموقف تتضح في عام ٢٠١٣، حينما تغيرت هيئة تحرير قسم الشرق الأوسط في الموقع.
وهذه حقيقة تؤكدها وقائع.
ففي ٣٠ أكتوبر عام ٢٠١٤ اعترفت السويد بدولة فلسطين. وتناقلت وكالات الأنباء الخبر، وكنت لما أزل آنذاك محررا في بي بي سي عربي.
فكتبت موضوعا قصيرا عن الخبر نشر في وقته.
وفتشت في موقع بي بي سي الأم باللغة الإنجليزية لأنظر إن كان محرروه قد كتبوا شيئا عنه، حتى أستعين به في سرد بعض الخلفيات إن كان به المزيد، فلم أجد أثرا له.
أيقنت وقتئذ أن قسم الشرق الأوسط بالموقع، الذي لما تزل هيئة تحريره هي هي منذ عام ٢٠١٣، ربما تجاهل عمدا اعتراف السويد بدولة فلسطين.
وسرت عدوى تفادي موقع بي بي سي الأم تعبير دولة فلسطين إلى القسم العربي في المؤسسة. وكم تناقشنا، أنا وزملاء آخرين، مع بعض كبار المحررين، الذين كانوا يصرون على تحريم استخدام ”دولة فلسطين“، في الوقت الذي تستخدمه فيه صحف ومواقع أخرى حتى إسرائيلية.
وأذكر هنا موضوعا كنت قد كتبته في ٢٥ يناير عام ٢٠٢٤، واستعرضت فيه مقالات بعض الصحف، ومن بينها صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية، التي أخذتُ عنوان إحدى مقالاتها عنوانا للعرض الذي كتبتُه.
وكان العنوان الذي تبنته الصحيفة الإسرائيلية هو:
“”يجب تدريس الطلاب الأمريكيين المؤيدين لفلسطين بطريقة تخلصهم من جهلهم” – يديعوت أحرنوت“

بيد أن كبيرة المحررين سمحت لنفسها آنذاك بتغيير العنوان الذي اتخذته الصحيفة الإسرائيلية، مخالفة بذلك قواعد التحرير، حتى تتجنب استخدام تعبير ”فلسطين“. وغيرت العنوان إلى:
“”يجب تدريس الطلاب الأمريكيين المؤيدين للفلسطينيين بطريقة تخلصهم من جهلهم” – يديعوت أحرنوت”
فلسطين والأمم المتحدة
وذريعة هذه الثلة في بي بي سي هي أن فلسطين ليست دولة معترفا بها بعد في الأمم المتحدة، إذ إنها لا تتمتع بالعضوية الكاملة في تلك المنظمة الدولية.
وهذه ذريعة واهية تهدف إلى استمرار بي بي سي بتشبثها بموقفها المناوئ لفلسطين، كما أشرت في بداية هذه المقالة.
وهذا يثبت في الوقت نفسه غفلة محرري بي بي سي وكبار محرريها، عما نص عليه موقع الأمم المتحدة، في أعقاب منح فلسطين صفة عضو مراقب في عام ٢٠١٢.
إذ إن الاسم الرسمي الذي تستخدمه الأمانة العامة في جميع الوثائق الرسمية منذ قرار الجمعية العامة لعام ٢٠١٢، هو “دولة فلسطين”.
أما صفة دولة مراقب غير عضو، فهي صفة تتيح لفلسطين المشاركة في دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي عمل هيئاتها الأخرى، ولكن دون أن تتمتع بحق التصويت على القرارات.
ويوجد على الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة قسم مخصص لعملها في المنطقة، يحمل عنوان “الأمم المتحدة في فلسطين”.
ويؤكد البروتوكول الدبلوماسي في الأمم المتحدة أنه يجب استخدام تعبير “دولة فلسطين” في لوحات الأسماء وفي جميع الاجتماعات الرسمية. كما يتضح في صورة مقعد فلسطين في جلسات مجلس الأمن الدولي.
وبالرغم من ذلك كله ظل موقف موقع بي بي سي الأم كما هو حتى إعلان الحكومة البريطانية الأحد، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٥، الاعتراف “بدولة فلسطينية”، بحسب العنوان الذي ما زال يتبناه الموقع.
فكيف صاغ الموقع عنوان الخبر؟
جاء عنوان الخبر على النحو التالي:
“UK, Canada and Australia announce formal recognition of Palestinian state”
“المملكة المتحدة وكندا وأستراليا تعلن رسميا الاعتراف بدولة فلسطينية“

وهذه هي تقريبا الصياغة التي تبناها محررو القسم العربي في بي بي سي عندما نشروا الخبر أول مرة، بغض النظر عما حمله من خطأ (في معاملة تلك الدول وكأنها عاقل).
قال العنوان الذي وضع في صفحة الأخبار المباشرة في الساعة ٢:٢٨ دقيقة بعد الظهر:
“بريطانيا وأستراليا وكندا يعلنون الاعتراف بالدولة الفلسطينية“
ولما يزل الموقع الإنجليزي مصرا على موقفه بشأن تحريم استخدام تعبير ”دولة فلسطين“، حتى بعد نطق رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، نفسه به في نهاية إعلانه.
فمن يراجع الموقع سيواجه بالتزامه بموقفه المناوئ للدولة الفلسطينية.
وهذه بعض عناوين الموقع:
“France to join UK, Canada and Australia in formally recognising Palestinian state”
“A Palestinian state is the best route to peace, UK minister says”
“UK says Israel must not retaliate against Palestinian statehood push”

بيد أن موقع بي بي سي العربي غير صياغته بعد وقت قصير، وصوب الخطأ، بعدما ووجه بزخم العناوين التي تبنتها المواقع العربية الأخرى، مثل موقع العربية، وصحيفة الشرق الأوسط، وسكاي نيوز عربي، التي قالت:
“كندا وأستراليا تعترفان بدولة فلسطين” – صحيفة الشرق الأوسط
“بريطانيا وكندا وأستراليا تعلن الاعتراف رسميا بدولة فلسطين” – سكاي نيوز عربي
“كندا وأستراليا وبريطانيا تعترف بدولة فلسطين .. ونتنياهو يستنفر” – موقع العربية
واستخدم موقع بي بي سي العربي تعبير دولة فلسطين في عناوينه وفي متن موضوعاته. وهذا تغيير يحمد له.
إن اعتراف المملكة المتحدة بالدولة الفلسطينية جاء على استحياء وقد تأخر صدوره أكثر من ٧٧ عاما، عقب الاعتراف بإسرائيل في عام ١٩٤٨.
الاعتراف بإسرائيل
كان اعتراف الدول الكبرى بإسرائيل عقب إعلان إنشائها سريعا وحاسما ومحددا.
إذ أكد بيان الرئيس الأمريكي هاري ترومان رئيس الولايات المتحدة، الذي صدر فور إعلان إنشاء الدولة، في ١٤ مايو عام ١٩٤٨، على أمرين: أولهما الاعتراف “بدولة إسرائيل”، وثانيهما الاعتراف “بالحكومة المؤقتة” بوصفها سلطة أمر واقع في تلك الدولة الجديدة.
“The United States recognises the provisional government as the de facto authority of the new state of Israel” – May 14, 1948
أما بيان الحكومة البريطانية، الذي صدر في يناير عام ١٩٤٩، فكان مختصرا. وأكد على اعتراف حكومة المملكة المتحدة بالوضع القائم في إسرائيل.
ثم عادت الحكومة فأصدرت بيانا آخر مفصلا في شهر أبريل من العام نفسه، عقب إجراء أول انتخابات عامة في الدولة الجديدة، اعترفت فيه اعترافاً قانونيا كاملا بدولة إسرائيل، بوصفها دولة ذات سيادة.
“His Majesty’s Government in the United Kingdom have decided to accord de jure recognition to the Government of Israel.”
ولعل هذا الاعتراف السريع والفاصل بإسرائيل عقب إعلان تأسيسها يوضح تردد بريطانيا والدول الأخرى في اعترافها بدولة فلسطين، الذي كان غير حاسم وغير محدد ومتأخرا.
وبالرغم من صدوره فلما تزل بي بي سي، وهي مؤسسة إعلامية مهمة، تؤدي دورا فعالا، تصر على تجنب استخدام تعبير دولة فلسطين. ومن حق دافعي الضرائب في بريطانيا، وأنا واحد منهم، أن يطالبوها بالاعتراف بدولة فلسطين، بعد أن اعترفت الحكومة بها، وألا تتجنب استخدام تعبير “دولة فلسطين“، الذي تستخدمه وثائق الأمم المتحدة، والذي يتصدر مقعد فلسطين في جلسات مجلس الأمن عند مناقشة أي قرار يتعلق بها.
مرتبط
اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






