حتى في سِبابنا نُهين المرأة

إهانة المرأة حتي في سبابنا

وضع المرأة في ثقافتنا العربية لما يزل مزريا. ولم أكن بحاجة إلى ما يذكرني بذلك، والأمثلة والنماذج عليه كثيرة. غير أن ما لفت انتباهي هو تسلل هذا البؤس في وضع المرأة إلى الكلام اليومي الدارج، الذي نستخدمه في أحاديثنا المعتادة.

فقد سمعت من أحد الجلساء، وكان غضبه هائجا على شخص آخر لأمر ما، ولم يكن حاضرا في الجلسة، تعبيرا لافتا ينفث فيه عن غضبه تجاه ذلك الشخص بالقول “يلعن ولاياه“. وصب صاحبنا هنا كأس غضبه كله على “ولايا“، أي حريم أو نساء ذلك الرجل مستأثرا إياهن دون الرجال باللعنة، بلا جريرة، لكنها الثقافة العربية.

ونبهت صاحبنا إلى مدى الظلم الذي ألحقه بالنساء دون الرجال بلعنهن، قائلا له: لماذا لا تصيب بلعنك رجاله أيضاً إن كنت غاضبا إلى هذه الدرجة؟ فتبسم بعد أن انتبه إلى ما تلفظ به.

ولا يقتصر ظلمنا للنساء – كما يتضح في ثقافتنا العربية – على استئثارهن بالسب واللعن، بل يتعدى ذلك في كثير من البيئات العربية إلى إغماط حق المرأة حتى في استخدام اسمها. فهي إن تزوجت تصبح “زوجة” فلان، أو “حرم” فلان، أو “جماعة” فلان، أو “مدام” فلان.

وإن أنجبت ولدا فهي “أم” فلان. وإن رزقت بابنة فقد تدعى بأم فلانة حتى ترزق بالولد، فيطيح بالكبرى ويتولى هو عرش اللقب.

وفي نهاية حياتها تنعى بحرم فلان، وتحرم من اسمها ميتة، كما حرمت منه حية.


اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

للمشاركة على :

اترك تعليقك

البحث

محمد العشيري

عملت محاضرًا في اللغة والثقافة العربية في جامعة برمنجهام البريطانية. درَستُ علم الأصوات اللغوية وعلم اللغة وتخصصت فيهما، ثم درَّستهما فيما بعد. وتشمل مجالات اهتمامي علوم اللغة العربية، والخطاب الإسلامي، واللغة في وسائل الإعلام. عملت أيضًا في جامعة وستمنستر في لندن، وجامعة عين شمس المصرية في القاهرة. وعملت مذيعا ومقدم ومعد برامج في هيئة الإذاعة البريطانية. من بين مؤلفاتي: “أصوات التلاوة في مصر: دراسة صوتية، و“عربية القرآن: مقدمة قصيرة”، و”كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية والعربية لأبي حاتم الرازي: دراسة لغوية”. ونشرت مجموعة قصصية تحت عنوان “حرم المرحوم” وكتبا أخرى.