يفرق علم اللغة الحديث (linguistics) بين صحة الجملة ”نحويا“، من حيث الالتزام فيها بقواعد اللغة، و”قبول“ تلك الجملة لغويا من الجماعة اللغوية. فليس كلُ صحيح نحويا مقبولا لغويا.
وسأضرب مثالا على ذلك بالصفتين اللتين وضعتهما في عنوان هذا الڤيديو لوصف كلمة (احتجاجات). فهل نقول:
- – احتجاجات طالبية، أم
- – احتجاجات طلابية؟
الصفتان وردتا في صورة نسب، إما إلى طالب، وإما إلى طلاب. وكتب النحو تقول في باب النسب إننا إذا أردنا النسب إلى كلمة، بإضافة ياء النسبة المشددة إليها في نهايتها، فيجب أولا أن نحذف منها أي لاحقة تدل على التأنيث، أو التثنية أو الجمع. هذا ما تفق عليه النحاة.
فنقول في النسبة إلى (مدينة) مدني بعد حذف تاء التأنيث. ونقول في النسبة إلى (صُحُف) صَحَفٍيّ، لأننا نسبناها إلى صحيفة، وهي صيغة الاسم المفرد، وليس إلى صيغة الجمع (صُحُف).
وحينما اشتعلت احتجاجات الطلاب في الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة، بدأ الصحفيون يستخدمون صيغة النسب لوصف تلك الاحتجاجات.
فثمة من وصفوها بأنها (احتجاجات طالبية)، منصاعين لقاعدة النسب إلى المفرد (طالب)، في مثل هذه العناوين:
يقول عنوان للميادين:
ويقول آخر:
لكن آخرين نعتوها بـ”احتجاجات طلابية“، مخالفين قاعدة النسب إلى المفرد، فنسبوها إلى الجمع (طلاب)، في مثل:
يقول موقع بي بي سي:
ويقول عنوان للميادين:
فأيهما أصوب؟
لا شك أن صيغة النسب إلى المفرد (طالب = طالبية) صيغة صائبة نحويا، لأنها التزمت بالقاعدة النحوية.
أما من خالفوا القاعدة، فنسبوا إلى صيغة الجمع (طلاب = طلابي)، فقد جانبوا الصواب النحوي.
لكن أيهما أكثر قبولا في لغة الإعلام؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب أن يشغل اهتمام الصحف والمواقع الإخبارية العربية.
نقول أولا إن كتب النحو العربي تحدثت في باب النسب عن حالات قبِل العرب فيها، وهم الجماعة اللغوية صاحبة الشأن، النسب إلى صيغة أخرى غير صيغة المفرد، مثل المثني والجمع. ومن ذلك مثلا، النسب إلى (البحرين = بحراني)، والنسب إلى (أنصار = أنصاري). كما قبلوا النسب إلى صيغة الجمع في أسماء البلدان، من قبيل (الجزائر = جزائري)، وفي عصرنا (الإمارات = إماراتي). وثمة أسماء أعلام كثيرة تخالف قاعدة النسب إلى المفرد، أشار إلى بعضها دكتور محمد الجوادي رحمه الله في مقالة له، من بينها، الظواهري، والعوامري، والقاياتي، والغاياتي والصوالحي، والقللي. فبالرغم من مخالفة تلك الأسماء لما اتفق عليه النحاة، فإنها مقبولة من العرب، أي الجماعة اللغوية، صاحبة الشأن.
أما النقطة الثانية فهي دلالة الاسم المنسوب. فإن كنا نتحدث عن احتجاجات شارك فيها أعداد كبيرة من الطلاب، وليس طالبا واحدا، فيجوز لنا – كما قال موقع مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية، النسب إلى صيغة الجمع فنقول احتجاجات طلابية. ومن هذا الباب قبول صيغة (قرار دُوَليّ) إن كان القرار قد وافقت عليه أكثر من دولة.
أما النقطة الثالثة التي ينبغي لنا أخذها في الاعتبار، فهي لغة الإعلام، التي يجب أن تكن دالة ومباشرة. ويجب أيضا ألا يعكر صفو سلاستها ألفاظ تلفت القارئ، أو المستمع، أو المشاهد، عما يقرؤه أو يسمعه أو يشاهده. ولا ريب في أن عنوانا من قبيل (احتجاجات طالبية أمام الجامعة) سوف يستوقف انتباهنا فيه تلك العثرة الغريبة (طالبية) لثوان فيضيع منا الخبر. وهذا يدفعنا في مسألة النسب، إلى تبني النسبة إلى ما هو مألوف، وهو لفظ (طلاب)، حتى وإن خالف اتفاق النحاة.
أما النقطة الأخيرة، فتتعلق بمدققي اللغة في المواقع الصحفية. فليس بينهم، فيما أزعم، من درس علم اللغة الحديث، وتعرف من خلاله على طبيعة اللغة، وكيف تعمل، إلى جانب دراسته للغة العربية، واطلاعه على كتب الأخطاء الشائعة. وهم بهذه الخلفية التعليمية المحدودة يميلون إلى المحافظة والتقليد في كثير من قراراتهم.
وأتوقع أن يكون خيار هؤلاء المدققين، إن عُرضت عليهم الصيغتان اللتان نناقشهما هنا، أن يوصوا باستخدام (احتجاجات طالبية)، وليس (احتجاجات طلابية)، تماشيا مع القاعدة النحوية. وهم بذلك يتغافلون عن الاعتبارات التي سقت شيئا منها فيما سبق.
وأحسب أن وظيفة التدقيق اللغوي لا ينبغي للمواقع الصحفية أن تسندها إلا إلى من:
- – درس اللغة العربية،
- – ودرس علم اللغة الحديث،
- – وكانت له دراية بالعمل الإعلامي وطبيعة لغة الإعلام.
ونخلص من ذلك كله إلى أن الخيار الأصوب في لغة الإعلام هو أن نصف – ونحن مطمئنون – احتجاجات الطلاب التي اشتعلت في الولايات المتحدة وأوروبا، أو أي احتجاجات قد تلتهب في مكان آخر بأنها (احتجاجات طلابية).
مرتبط
اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.







