من بين الأخطاء الصرفية الرديئة التي أخذت تتسرب، منذ فترة، إلى لغة الإعلام استخدام صيغة الفعل ”تَحَضَّرَ-يَتَحَضَّرُ“، بمعناها العامي في تقارير المراسلين ومقالات الصحفيين العرب.
وظهر هذا ”الڤيرُس العامي“ في بعض عناوين المواقع الإخبارية العربية المشهورة، مثل ”بي بي سي“، و”العربية“، و”الميادين“.
يقول عنوان لبي بي سي:
ويقول عنوان للعربية:
أما الميادين فحفلت صفحاتها المختلفة بهذا الصيغة الرديئة:
خطأ العناوين:
يكمن الخطأ في تلك العناوين جميعا في استخدام صيغة ”يَتَحَضَّر“ بمعناها العامي في سياق تقارير مكتوبة (أو تقارير مراسلين مقروءة) باللغة العربية الفصيحة.
ولا بد أن نشير إلى أن للهجاتنا العامية أنظمة لغوية خاصة بها، تخالف أنظمة اللغة الفصيحة، في صياغة الكلمات (الصرف)، وتراكيب الجمل (النحو)، ودلالات الألفاظ (المعاني).
فبينما نقول في العربية الفصيحة، مثلا، (اِسْتَعْدَدْتُ)، تستخدم لهجة عربية صيغة أخرى فتقول (اِسْتَعَدَّيْت). وبينما نستهل السؤال في العربية الفصيحة باسم الاستفهام، مثل (أين ذهب صاحب المحل؟)، تضع بعض اللهجات اسم الاستفهام أحيانا في نهاية السؤال، فتقول (صاحب المحل راح فين؟). وبينما نستخدم كلمة ”حُجَّة“ في اللغة الفصيحة بمعنى ”برهان“ أو ”دليل“، فنقول (هل لديك حُجّة على براءة المتهم؟)، فإن كثيرا من الناس يستخدمونها في بعض اللهجات بمعنى ”ذريعة“، كما في قولهم: (فسخت عقد الشركة بحِجّة عدم وضوح التوقيع).
وأحيانا ما تدفعني تلك الاختلافات البينة في الأنظمة بين اللغة الفصيحة واللهجات العامية إلى القول بأن اللهجات العربية آخذة في الابتعاد تدريجيا عن اللغة الأم التي تفرعت عنها، لتصبح لغات مستقلة، وإن كانت المفردات المشتركة بين المستويين ما زالت تجمعهما.
صيغة ”تَفَعَّلَ“ الصرفية:
أحد أمثلة هذا الاختلاف الصارخ في النظام الصرفي بين اللغة الفصيحة واللهجات العامية هو صيغة ”تَفَعَّلَ“ التي نتكلم عنها في هذه المقالة.
فصيغة الفعل ”يَتَحَضَّر“ في العربية الفصيحة، في قولنا (القرى في بلادنا تَتَحَضَّر شيئا فشيئا) تعني أن القرى تتجه نحو الحَضَر والحضارة بالتدريج.
ومفهوم التدرج هذا ملحوظ أيضا في أمثلة أخرى جاءت على الصيغة نفسها، من قبيل: ”يَتَعَلَّم“، و”يَتَزَيَّن“، و”تَتَشَكَّل“، و”تَتَفَكَّك“، وهكذا.
وهذا هو أحد معاني هذه الصيغة الصرفية، ”تَفَعَّل“، في العربية الفصيحة.
وأصل هذه الصيغة ”يَتَحَضَّر“ هو الفعل ”حَضَرَ“، الذي يدل على الحُضُور، والحَضَر في آن. ولمَّا كنا نريد التعبير عن التغيير الذي نلاحظه في القرى وانتقالها بالتدريج إلى الحضر والتحضر، فلم نجد أنسب من صيغة ”تَفَعَّلَ“ الصرفية لذلك، فقلنا القرى ”تَتَحَضَّر“. وهذا هو معنى هذا الفعل في هذه الصيغة الصرفية في العربية الفصيحة.
لكنا إن راجعنا العناوين التي أوردناها في بداية المقالة فسنجد أن معنى الفعل ”يَتَحَضَّر“ أو ”تَتَحَضَّر“ فيها مختلف تماما عن معناه في المستوى الفصيح. فصيغة الفعل، كما استخدم في العناوين السابقة في:
-
(إسرائيل تَتَحَضَّر للرد)
-
و(الدول الكبرى تَتَحَضَّر للرد)
-
و(الاحتلال يَتَحَضَّر لإطلاق سراح ..)
-
و(توم كروز يَتَحَضَّر لتصوير ..)
تعني يتهيأ، أو يستعد أو يتأهب.
وهذا هو معنى هذه الصيغة الصرفية، (يَتَفَعَّل)، في اللهجات العامية. إذ نقول في لهجاتنا:
-
الأكل بيتجهز وبيتحضَّر
-
الغرفة بتترتب وبتتحضَّر
-
الزينة بتتركّب وبتتحضَّر
لكن معنى ”يَتَحَضَّر“ في لغتنا الفصيحة – كما بينا آنفا – يشير إلى الانتقال تدريجيا إلى سمت التَحَضُر والحَضَر والحضارة.
وقد أوقع الجهل بعضَ المراسلين والصحفيين العرب في خلط شديد بين هذين المعنيين المختلفين لصيغة ”يَتَفَعَّل“ من الفعل ”حَضَرَ“ في مستويي العربية. وأدى عدم إدراكهم للفرق بين هذين المستويين اللغويين (الفصيح والعامي) إلى تسرب صيغة (تفعَّل) الصرفية بمعناها العامي إلى تقاريرهم التي كتبوها أو قدموها بالعربية الفصيحة.
وفي النهاية ينبغي لنا أن نحذر من خطورة تسلل مثل هذه المعاني العامية الدقيقة إلى لغتنا الفصيحة، إذ إنها ستفضي إلى خلط كبير في المعاني المراد نقلها، مما قد يعيق بدوره فهم النصوص المقروءة والمقاطع المشاهدة أو المسموعة.
ويجب أن ننبه أيضا إلى أن هذه المعاني المتسللة آخذة في التفشي، لتكرار استخدام بعض الصحفيين لها في تقاريرهم المسموعة والمقروءة. وأخص هنا للأسف الصحفيين اللبنانيين من حملة ”الڤيرس“، وهم منتشرون في معظم المواقع الصحفية العربية.
مرتبط
اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.







