استخدام المبني للمجهول في التستر  على مرتكبي جرائم الحرب والإبادة

إطلاق رصاصة

لو قلت لكم: (بالأمس قُتِل جارُنا)، فمن المستحيل أن تعرفوا هوية القاتل، إذ إني لم أكشف عنها. ربما لأني لا أعرفه، وربما لأني أعرفه لكني أخاف من انتقامه مني فلا أجرؤ على ذكر اسمه. وربما أتستر عليه عن عمد لأن بيننا علاقة ما. وربما يكون القاتل مشهورا ومعروفا جدا في الحي إلى حد أن كل أصابع  الاتهام تشير إليه خفية، ويكفي في تعريفه الإشارة إليه بـالقاتل“.

هذه الاحتمالات جميعا لخصتها صيغة الفعل (قُتِلَ)، وهي التي ساعدتنا على تصورها. وهذه هي صيغة الفعل الذي يُسمىالمبني للمجهول، أي الفعل الذي لم يُذكر فاعله، أو لم يُسمَ فاعله، بحسب وصف النحاة العرب له

وهذه الاحتمالات المختلفة تبين في الوقت نفسه وظيفة هذه الصيغة اللغوية في الجملة العربية.

المبني للمجهول في لغة الإعلام:

لكن للفعل المبني للمجهول في لغة الإعلام العربي حكاية أخرى.

فهو  إما مغضوب عليه أحيانا فينبذ، وإما يُساء استخدامه فيتعطل دوره، وإما يُستغل للتستر على مرتكبي جرائم الحرب والإبادة.

١الاستعاضة بفعل بديل:

 تبدأ حكاية المبني للمجهول في لغة الإعلام بنبذه واستخدام تركيب بديل مكانه.

فلو قدر لصحفي أن يكتب تقريرا عن حادثة القتل في حينا، التي أشرت إليها في الفقرات السابقة، لكان أول تركيب يخطر على ذهنه في الأغلب هو: (أمس تمَّ قتلُ رجل في حي (كذا)).

ويبرر بعض الصحفيين الأذكياء نبذ صيغة الفعل المبني للمجهول في مثل هذه الحالة، وفي التقارير المماثلة لها، بأنه من الصعب في الصحافة المكتوبة أو في المواقع الإخبارية استخدام المبني للمجهول دون وضع علامات تشكيل (الضمة على القاف والكسرة تحت التاء (قُتِلَ)). وقد أصبح استخدام التشكيل ممجوجا بعد إهمال الصحافة المكتوبة لعلاماته منذ عشرات السنين، وأضحى عادة ملزِمة هذه الأيام، يجب مراعاتها

وللتغلب على هذه الصعوبة استعاضت الصحافة بتركيب آخر، أحسب أنه غير عربي البنية، وهو الفعل (تمَّ)، أو الفعل (جرى) + مصدر الفعل الأصلي، مثل (تم + قتلُ، جرى + قتلُ).

ومن أمثلة ذلك في المواقع الإخبارية العربية:

  • أربعة رؤساء تم اغتيالهم 

  • يتم اكتشاف حالات جديدة (من سوء التغذية)

الدكتور حسام أبو صفية تم احتجازهوتم ضمه إلى مساجين آخرين

  • اثنان من موظفي منظمة الصحة جرى احتجازهم

  • من هو هشام السيد الذي جرى احتجازه

  • الشيخ عادل جرى احتجازه بغير مسوغ 

٢استخدام خاطئ للمبني للمجهول:

أما الوجه الثاني للمبني للمجهول في لغة الإعلام فيتمثل في  تركيب آخر شائع هذه الأيام في المواقع الإخبارية العربية

يستخدم الكاتب أو الصحفي في هذا التركيب صيغة المبني للمجهول الأصلية (لكن بدون علامات تشكيل، بالطبع)، دون اللجوء إلى أي فعل بديل

بيد أن الطامة الكبرى التي يرتكبها الصحفيون والكتاب هنا هي التصريح، في الوقت ذاته الذي يبقون فيه على صيغة المبني للمجهول، بالفاعل الحقيقي الذي يفترض إخفاؤه أو إغفاله، لأن استخدام المبني للمجهول تقتضي ذلك، كما بينا في بداية المقالة. كأن نقولمثلا – (قُتِل جارُنا أمس على يد ابنه). 

وفي هذا التركيب تناقض صارخ، وتعطيل لوظيفة المبني للمجهول، إما لجهل بعض الصحفيين والكتاب بهذه الوظيفة، وإما لوقوع  بعضهم تحت تأثير الترجمة من اللغات الأجنبية، التي تسمح بمثل هذا.

ومن أمثلة ذلك في المواقع الإخبارية العربية:

آخر الخلفاء العباسيين قُتل على يد هولاكو 

والتركيب الأصوب هنا هو: (قَتَلَ هولاكو آخر الخلفاء العباسيين)

  • اغتيل ضابط دفاع مدني بيد الغدر 

والتركيب الأصوب هنا هو: (اغتالت يد الغدر ضابطا)

  • أول إفادة من الشاب السوري الذي احتجز من قبل الشرطة

والتركيب الأصوب هنا هو: (الشاب السوري الذي احتجزته الشرطة)

  • آلية توزيع المساعدات تدار من جانب هيئة أمريكية

والتركيب الأصوب هنا هو: (تعتمد آلية توزيع المساعدات التي تديرها هيئة أمريكية على ….)

٣استخدام المبني للمجهول للتستر على الفاعل

أما الوجه الثالث في حكاية المبني للمجهول في لغة الإعلام، فيستخدم فيه الصحفيون والكتاب صيغة الفعل المبني للمجهول الاستخدام الصحيح، محافظين على وظيفتها الجوهرية، ألا وهي عدم كشف هوية الفاعل

لكن لهم من وراء ذلك دافعا. إذ يلجأ الصحفيون والكتاب إلى استخدام هذه الصيغة هنا ليس للتعبير عن جهلهم بالفاعل. فهم يعرفون مرتكب الفعل في تلك الحالة معرفة تامة، ويمكنهم أن يشيروا إليه صراحة إن إرادوا. وإنما يلجؤون إليها اتباعا لتوجيهات رؤساء التحرير الصريحة. وتظهر تلك التوجيهات في العادة خشية مديري التحرير من سطوة بعض الدول والحكومات، وبعض النشطين السياسيين، إن شعر أي منهم بأن ثمة ربطا، وإن إيحاء، بين أي منهم وأي فعل يشي بارتكاب أي عمل مشين، كالقتل أو التجويع أو الإبادة

وقد يكون دافع الكاتب أحيانا هو خشية سوء العاقبة على نفسه، أو على المكان الذي يعمل فيه، إن ذكر الفاعل صراحة.

والحل الأمثل في هذه الحال هو استخدام صيغة المبني للمجهول

ولعل أوضح مثال لهذا الاستخدام للفعل المبني للمجهول هو التقارير التي تكتبها المواقع الإخبارية العربية، أو المترجمة عن لغات أجنبية إلى العربية، وفي صدارتها موقع بي بي سي، وبي بي سي عربي، بشأن الحروب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين، وآخرها حربه المستعرة على غزة، وعلى بعض الدول العربية

هنا يصبح المبني للمجهول مخلصا ومنقذا لغويا للصحفي أو الكاتب، أو الموقع الإخباري، إن رغب ألا يصرح بمرتكب القتل والإبادة، ويعرض نفسه لأي خطر، أو إن حرص على ألا يتعرض لانتقاد رؤسائه

وهذه بعض أمثلة من المواقع الإخبارية العربية.

قُتل خمسة فلسطينيين 

قُتل فلسطينيان ؤأصيب آخرون

يُحرم نحو ثلث المواطنين من الطعام 

  • نحو ٨٠٠ شخص قتلوا

 

  • مقر إقامة طاقم منظمة الصحة هوجم ثلاث مرات

ومما يؤيد فكرة التستر على الفظائع التي يرتكبها الاحتلال هذه بتوظيف صيغة المبني للمجهول، استخدام صيغة الفعل المبني للمعلوم، أي الفعل الذي نعرف فاعله، إن كان الفاعل هو الفلسطينيين. ومثال ذلك:

  • في السابع من أكتوبر هاجم أعضاء حماس جنوب إسرائيل وقتلوا نحو ١٢٠٠ شخص وأسروا ٢٥١ آخرين.

  • حماس قتلت شابا من غزة للتظاهر ضدها

٤التستر على الفاعل بصيغ أخرى:

أما الوجه الأخير لاستخدام صيغة المبني للمجهول في لغة الإعلام فيتمثل في صيغ أخرى تفتقت عنها أذهان بعض الصحفيين والكتاب، تساعدهم في تفادي ذكر مرتكب الجريمة أو فاعل الفعل. ومن هذا الباب استخدام الفعل (تعرَّض)، في مثل تلك الجمل:

  • مقر منظمة الصحة والمستودع الرئيسي تعرضا لهجمات 

  • يتعرض الفلسطينيون للقتل 

  • نجل الرئيس مرسي تعرض للقتل 

ولا شك في أن استخدام مثل هذه الصيغ والتراكيب اللغوية في التستر على مرتكب جرائم الحرب والفظائع والإبادة يساعد في توجيه تركيز القارئ أو المشاهد أو المستمع إلى أمور أخرى غير الفاعل، وهويته

كما أن صياغة الأخبار والتقارير بهذه الطريقة الغامضة، التي رأينا أمثلة قليلة منها هنت، يجعل ما يحدث من جرائم أو فظائع شيئا اعتياديا، لأنه يحدث في الحروب كل يوم، ولأنه غائم المعالم، فيكون عرضة أكثر للنسيان. والصور الغائمة لا يتذكرها الذهن البشري عادة، كما يتذكر الصور التي الواضحة التي تركز على شخص أو شيء محدد بارز الملامح، أو اسم معين يتكرر فيعلق بالذاكرة.

فعندما تتعمد وسائل الإعلام استخدام صيغة المبني للمجهول وما شابهها في نشراتها اليومية تقاريرها، قائلة مثلا: (قُتل خمسون شخصا)، أو (قُصفت المدينة عشرين مرة)، أو (هوجم الفلسطينيون المنتظرون للمساعدات)، فإنها تجعل من ذلك حدثا يوميا معتادا، يصبح مع مرور الأيام والأسابيع والشهور، أمرا لا يلفت الانتباه

وهنا تكمن خطورة الصياغة اللغوية للخبر التي ينبغي لنا دوما الانتباه إليها، وإلى ما قد يوجد وراءها من أهداف خبيثة، أهمها أن نعتاد على محتواها، الذي يتكرر كل يوم في صيغ مقصودة. ومع الاعتياد يتلاشى الانتباه ويخبو الاهتمام.


اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

للمشاركة على :

تعليق واحد

  1. احسنت يا دكتور .
    نفهم أغراض كتاب اللغات الأجنبية الذين يستخدمون هذه الصيغ ، لكن المحزن ان العرب يترجمون بلا تفكير ، ليس السبب الوحيد هو الخوف بل عدم المهنية وعدم الفهم ايضا.

اترك رداً على عامر سلطانإلغاء الرد

البحث

محمد العشيري

عملت محاضرًا في اللغة والثقافة العربية في جامعة برمنجهام البريطانية. درَستُ علم الأصوات اللغوية وعلم اللغة وتخصصت فيهما، ثم درَّستهما فيما بعد. وتشمل مجالات اهتمامي علوم اللغة العربية، والخطاب الإسلامي، واللغة في وسائل الإعلام. عملت أيضًا في جامعة وستمنستر في لندن، وجامعة عين شمس المصرية في القاهرة. وعملت مذيعا ومقدم ومعد برامج في هيئة الإذاعة البريطانية. من بين مؤلفاتي: “أصوات التلاوة في مصر: دراسة صوتية، و“عربية القرآن: مقدمة قصيرة”، و”كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية والعربية لأبي حاتم الرازي: دراسة لغوية”. ونشرت مجموعة قصصية تحت عنوان “حرم المرحوم” وكتبا أخرى.