على من يتسرع إلى انتقاد المقاومة الفلسطينية في غزة على طوفان الأقصى، الذي كان ردا على حصار خانق واعتداءات وفظائع دموية مميتة، أن يتأمّل بعمق بيان الفيلسوف البريطاني، برتراند رَسل، الذي كتبه في ٣١ يناير ١٩٧٠، قبل أيّامٍ قليلة من وفاته.
وتظهر قراءة ذلك البيان، الذي قرئ في مؤتمر للبرلمانات العربية في القاهرة، أنّ ما نشاهده اليوم في فلسطين ليس بجديد، بل هو ديدن كيان الاحتلال منذ إنشائه.
ندّد رَسل في بيانه بأفعال إسرائيل بعد حرب عام ١٩٦٧ بوضوحٍ، وكانت كلماته مباشرة؛ فالغارات والقصف، ومصادرة الأراضي، والعنف والمذابح المروّعة كانت جزءًا من نمطٍ عدوانيٍّ مستمرٍّ منذ عقود.
وقال إنّه لا يحقّ لأيّ دولة أن تأخذ أرضًا لدولة أخرى.
مأساة اللاجئين الفلسطينيين
وركز رَسل على محنة اللاجئين الفلسطينيين، الذين أُجبر مئات الآلاف منهم على النزوح بعد أن اغتصبت أرضهم في عام ١٩٤٨ لإقامة إسرائيل. ووصف عيشهم، في مهبّ الريح لأكثر من 20 عامًا حتى وقت كتابة بيانه، بأنه “قسوةٌ لا مبرر لها”.
وتساءل: “كيف يتوقّع أحد من الفلسطينيين أن يقبلوا ما لا يقبله أيّ إنسانٍ آخر في العالم؟”
النفاق الصارخ
تناول رسل أيضًا الحجّة التي ما زلنا نسمعها حتى اليوم، وهي أنّ أفعال إسرائيل تبررها معاناة اليهود في الهولوكوست. ووصف استخدام تلك المأساةٍ لتبرير إلحاق الأذى بالآخرين بأنه “نفاقٌ صارخ”.
وقال إن الاحتلال لا يوقع فقط الفلسطينيين في البؤس، بل يُنهك الدول العربية أيضًا، باستنزاف مواردها في الصراع، بدلًا من بناء حياةٍ أفضل لشعوبها.
قراءة بيان الفيلسوف البريطاني، توضح لنا بجلاء أنّ الاحتلال وما يرتكبه من فظائع وإبادة، مما نتحدّث عنه الآن، ليس ردّ فعلٍ حديثًا؛ بل إنه الأنماط ذاتها التي رآها رسل في عام ١٩٧٠ وقبل ذلك.
إن من يبرّر حرب إسرائيل الحالية بأنها ردة فعل لطوفان الأقصى، عليه أن يراجع التاريخ. أما المقاومون، فإنّ كلمات راسل تشير إلى أنهم مقاتلون من أجل الحرية يدافعون عن حقّهم في الوجود في أرضهم.
نداءٌ للعدالة
أنهى رسل بيانه بنداءٍ من أجل العدالة، قال فيه: يجب على إسرائيل أن تنسحب من الأراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧، وعلى العالم أن يتكاتف من أجل حلٍّ عادل لا يزرع بذور مزيد من الألم.
تتلخص أهم نقاط البيان في:
- لن تقنع الغارات الجوية في عمق الأراضي المصرية السكان المدنيين بالاستسلام، بل ستزيد عزيمتهم على المقاومة
- في عام ١٩٤٠، قاوم مواطنو بلدي هجمات هتلر الجوية باتحاد وتصميم غير مسبوقين.
- أخذت إسرائيل تتوسع بقوة السلاح لأكثر من عشرين عاما. وتكشف مذبحة قبية في عام 1953، والمذبحة التي تمت على شاطئ غزة في عام 1955، والقتل الجماعي للمدنيين في قريتي خان يونس ورفح في عام 1956—لنذكر فقط الفظائع المعروفة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية منذ سنوات—عن الطابع الأساسي للسياسة العسكرية الإسرائيلية.
- إن مأساة شعب فلسطين تكمن في أن بلادهم “أعطتها” قوة أجنبية لشعب آخر لإقامة دولة جديدة.
- من الواضح تمامًا أن للاجئين كل الحق في العودة إلى وطنهم الذي طُردوا منه، وإنكار هذا الحق هو جوهر الصراع المستمر. لا شعب في أي مكان في العالم يقبل طرده جماعيًا من بلده؛ فكيف يمكن لأحد أن يطالب شعب فلسطين بقبول عقوبة لا يتحملها أحد آخر؟
- إن الصهيونية تأسست على مبدأ حق اليهود في وطن في فلسطين، لكن من المأساوي أن يتم هذا الحق بتشريد السكان الأصليين.
- تتطلب العدالة أن تكون الخطوة الأولى نحو التسوية انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها في يونيو ١٩٦٧.
دعونا نقرأ كلمات رَسل، ونتأمّل عمقها، ونسأل أنفسنا: إلى متى يمكننا أن نسمح لهذا الوضع بالاستمرار؟
بيان عن الشرق الأوسط
بقلم برتراند راسل في ٣١ يناير ١٩٧٠
”المرحلة الأخيرة من الحرب غير المُعلَنة في الشرق الأوسط مبنيّة على سوء تقديرٍ عميق. فالغارات الجوية في عمق الأراضي المصرية لن تُقنع السكّان المدنيين بالاستسلام، بل ستُقوّي عزيمتهم على المقاومة. وهذا هو الدرس المستفاد من كلّ قصفٍ جوي، من إسبانيا عام ١٩٣٧، مرورًا بالحرب العالمية الثانية، إلى فيتنام اليوم.
في عام ١٩٤٠، قاوم أبناء وطني غارات هتلر بوحدةٍ وتصميمٍ لم يسبق لهما مثيل. لهذا السبب، ستفشل الهجمات الإسرائيلية الحالية في تحقيق غرضها الأساسي، ولكن يجب في الوقت نفسه، إدانتها بقوةٍ في جميع أنحاء العالم.
إنّ تطوّر الأزمة في الشرق الأوسط خطيرٌ ومُفيدٌ في آنٍ واحد. فلأكثر من ٢٠ عامًا، توسّعت إسرائيل بقوة السلاح. فمذبحة قبية عام ١٩٥٣، والمجزرة التي حدثت على شاطئ غزة عام ١٩٥٥، والقتل الجماعي للمدنيين في قرى خان يونس ورفح عام ١٩٥٦ – على سبيل المثال لا الحصر من الفظائع المعروفة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية منذ سنوات – تكشف عن الطابع الأساسي للسياسة العسكرية الإسرائيلية. يجب إدانة العدوان الذي ترتكبه إسرائيل، ليس فقط لأنه لا يحقّ لأي دولةٍ أن تضمّ أراضي أجنبية، بل لأنّ كلّ توسّعٍ هو أيضًا تجربةٌ لاكتشاف مدى المزيد من العدوان الذي سيتحمّله العالم.
أمّا اللاجئون الذين يحيطون بفلسطين بمئات الآلاف، فقد وصفهم الصحفي في واشنطن آي إف ستون بأنهم “الحجر الذي يجثم على عنق اليهودية العالمية”. الكثير من هؤلاء اللاجئين يعيشون الآن في العقد الثالث من وجودهم غير المستقر في مخيمات مؤقتة. إنّ مأساة شعب فلسطين هي أنّ بلادهم “أعطتها” قوة أجنبية لشعبٍ آخر لإنشاء دولةٍ جديدة. وكانت النتيجة أن مئات الآلاف من الأبرياء أصبحوا بلا مأوى بشكلٍ دائم. ومع كلّ صراعٍ جديد، تزايدت أعدادهم.
إلى متى سيظلّ العالم على استعدادٍ لتحمّل هذا المشهد من القسوة الهمجية؟ من الواضح تمامًا أنّ اللاجئين لهم كلّ الحق في العودة إلى وطنهم الذي طُردوا منه، وإنكار هذا الحق هو في صميم الصراع المستمر. لا يوجد شعبٌ في أيّ مكانٍ في العالم سيقبل طرده جماعيًا من بلده؛ فكيف يمكن لأحدٍ أن يطلب من شعب فلسطين أن يقبل عقوبةً لا يتحمّلها أيّ شخصٍ آخر؟
إنّ التسوية العادلة والدائمة للاجئين في وطنهم هي عنصرٌ أساسي لأي تسويةٍ حقيقية في الشرق الأوسط.
كثيرًا ما يُقال لنا إنّه يجب علينا التعاطف مع إسرائيل بسبب معاناة اليهود في أوروبا على يد النازيين. إذ تقوم الصهيونية على مبدأ حقّ اليهود في وطنٍ في فلسطين، ولكنها مأساةٌ أن يُنفّذ هذا الحقّ عبر سلب السكّان الأصليين. ما تفعله إسرائيل اليوم لا يمكن التغاضي عنه، واستحضار أهوال الماضي لتبرير أهوال الحاضر هو نفاقٌ صارخ.
إسرائيل لا تحكم على عددٍ هائلٍ من اللاجئين بالبؤس فحسب؛ ولا تحكم على الكثير من العرب الواقعين تحت الاحتلال بالحكم العسكري فحسب؛ بل إنّها تحكم أيضًا على الدول العربية، التي خرجت من الوضع الاستعماري، بالفقر المستمر؛ إذ تتفوق المطالب العسكرية على التنمية الوطنية. يجب على كلّ من يريد إنهاء إراقة الدماء في الشرق الأوسط أن يضمن عدم احتواء أيّ تسوية على بذور صراعٍ مستقبلي.
تتطلّب العدالة أن تكون الخطوة الأولى نحو تسويةٍ هي الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي التي احتلتها في يونيو ١٩٦٧. وهناك حاجةٌ إلى حملةٍ عالميةٍ جديدة للمساعدة في تحقيق العدالة لشعوب الشرق الأوسط التي عانت طويلًا. أدعوكم جميعًا لقراءة هذه الرسالة بتأمّلٍ ورويّة.“
مرتبط
اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



