لغة الإعلام: آفة إقحام الاسم الموصول في التقارير الصحفية

”بدأت محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية، والتي تنعقد جلساتها في مقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في واشنطن“

في الفقرة السابقة خطأ شائع يكثر تكراره في المواقع الصحفية وكتابات مدوني وسائل التواصل الاجتماعي. ويكمن هذا الخطأ في إقحام حرف العطف (و) والاسم الموصول (التي) وسط الفقرة دون داع، كما سنبين.

وحتى نتعرف بالتبسيط على السبب وراء هذا الخطأ، يجب أن نحلل الفقرة إلى أجزائها الأساسية.

جملة كبري وجملة صغرى:

تُعد تلك الفقرة برمتها جملة كبرى، أي جملة تضم في داخلها جملتين صغريين. والجملة الصغرى الأولى هي:

١– ”بدأت محادثات مباشرة 

بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية 

أما الجملة الصغرى الثانية فهي:

٢– ”تنعقد جلسات المحادثات 

في مقر وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن

موضوع الجملة:

وأي جملة صغرى هي جملة مستقلة بنفسها، لها موضوع واحد، وتشمل العناصر التي تكفل فهمها دون الحاجة إلى إضافة أي كلمة أخرى. 

وهذا ما تبيناه من الجملة (١)، إذ عرفنا أن موضوعها هو (بدء محادثات بين لبنان وإسرائيل). 

أما موضوع الجملة (٢) فهو (انعقاد جلسات المحادثات).

إذا أردنا ضم الجملتين (١) و(٢) في جملة كبرى واحدة يدور موضوعها على (المحادثات بين إسرائيل ولبنان، وبدئها وانعقاد جلساتها)، فيجب علينا أولا ربط الجملتين الصغريين بأداة ربط، والتخلص ثانيا من الكلمات المكررة.  

١- بدأت محادثات بين لبنان وإسرائيل

٢- تنعقد جلسات المحادثات في مقر وزارة الدفاع

من أدوات الربط:

من بين أدوات الربط بين الجمل الصغرى داخل جملة كبرى:

١- الضمائر، التي تعفينا من إعادة ذكر كلمات ورد ذكرها من قبل، ويمكن الإشارة إليها ببعض الضمائر.

وهذا ما نستطيع تطبيقه هنا بين الجملتين (١) و(٢)، فنقول:

بدأت محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، تنعقد جلساتها في مقر وزارة الدفاع

وقد أعفانا استخدام الضمير هنا من تكرار كلمة ”محادثات“ مرة أخرى.

٢- الأسماء الموصولة: الذي، والتي، واللذان واللتان، والذين، واللاتي. ومثال ذلك:

ـحاول المتظاهر الإفلات من الشرطي

الشرطي كان يلاحق المتظاهر

إذ نستطيع ربط الجملتين الصغريين باسم موصول يشير إلى (الشرطي)، ونُعفي أنفسنا من تكرار كلمتي ”الشرطي“ و”المتظاهر“.

الاسم الموصول المناسب هنا هو ”الذي“، لماذا؟

لأن كلمة ”الشرطي“: معرفة بـ(ال)، ومذكر، ومفرد. والاسم الموصول: ”الذي“ هو الآخر معرفة، ومذكر، ومفرد. 

ونستنتج من هذا أن الرابط هنا، وهو الاسم الموصول (الذي)، معرفة، ولذلك لا يستخدم إلا في وصف اسم آخر معرفة مثله. ونظرا لأنه يقع موقع الصفة للاسم الذي يسبقه، فيجب أن يوافقه أيضا في (التذكير والتأنيث) و(الإفراد والتثنية والجمع).. 

ولذلك ستكون الجملة الجديدة:

حاولَ المتظاهرُ الإفلاتَ منَ الشرطيِّ الّذِي كانَ يُلاحقُهُ 

والاسم الموصول في الجملة، يقع هو والجملة التي تليه (التي تُسمى جملة الصلة: ”كان يلاحقه“) في محل جر صفة للشرطي. وكأننا قلنا:

حاولَ المتظاهرُ الإفلاتَ منَ الشرطيِّ الملاحقِ له

ولعل ذلك يوضح لنا حقيقة إقحام الاسم الموصول في الفقرة التي بدأنا بها هذا التحليل.

بدأت محادثات .. بين لبنان وإسرائيل ..، والتي تنعقد جلساتها في مقر وزارة الدفاع الأمريكية ..“

لأن الاسم الموصول لا يمكن أن يصف، وهو اسم معرفة، اسما نكرة، مثل (محادثات). ولذلك فلا حاجة إليه في الجملة ألبتة. كما أننا لسنا بحاجة إلى حرف العطف (و)، إذ إن المعنى لا يحتاجه. وجدير أن نشير هنا إلى أن الاسم الموصول لا يسبق بحرف عطف إلا إذا تكرر، أي سبق ذكره في الكلام. ومثال ذلك:

المحادثات التي بدأت بين لبنان وإسرائيل، والتي حضرها مندوبون من الجانبين، عقدت جلساتها في واشنطن

والصيغة الصحيحة للفقرة التي بدأنا بها يجب أن تكون على النحو التالي: 

بدأت محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية، تنعقد جلساتها في مقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في واشنطن


اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

للمشاركة على :

اترك تعليقك

البحث

محمد العشيري

عملت محاضرًا في اللغة والثقافة العربية في جامعة برمنجهام البريطانية. درَستُ علم الأصوات اللغوية وعلم اللغة وتخصصت فيهما، ثم درَّستهما فيما بعد. وتشمل مجالات اهتمامي علوم اللغة العربية، والخطاب الإسلامي، واللغة في وسائل الإعلام. عملت أيضًا في جامعة وستمنستر في لندن، وجامعة عين شمس المصرية في القاهرة. وعملت مذيعا ومقدم ومعد برامج في هيئة الإذاعة البريطانية. من بين مؤلفاتي: “أصوات التلاوة في مصر: دراسة صوتية، و“عربية القرآن: مقدمة قصيرة”، و”كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية والعربية لأبي حاتم الرازي: دراسة لغوية”. ونشرت مجموعة قصصية تحت عنوان “حرم المرحوم” وكتبا أخرى.