استكمالا لما ذكرته بشأن ترتيب الصفات في لغة الإعلام في مقالة سابقة، أريد أن أتوقف هنا عند العدد حينما يقع عقب الاسم المعدود في جملة، ويكون العدد في هذه الحال صفة للمعدود، ويكون أيضا مصحوبا بصفات أخرى. مثال ذلك:
١– ”أنهت الطبيبات البريطانيات الجديدات الثلاث العملية في وقتها“
فهل سيخالف العدد (٣) في الجملة السابقة المعدود (طبيبات) في التأنيث تطبيقا لقاعدة العدد، التي تقول بمخالفة العدد للمعدود (من ٣ إلى ٩)، إذا تقدم عليه، كما حدث في:
أنقذ المسعفون ثلاثَ بنات فلسطينيات
و
أنقذ المسعفون ثلاثةَ أولاد فلسطينيين؟
أم سيطابق العدد (٣) معدوده (طبيبات) في التأنيث، فنقول: (طبيبات ثلاثة) لوقوع العدد بعد المعدود، صفة له، تطبيقا لقاعدة موافقة الصفة للموصوف، كما حدث في:
أنقذ المسعفون البناتِ الفلسطينياتِ الثلاثةَ
و
أنقذ المسعفون الأولادَ الفلسطينيين الثلاثَ
فنقول:
٢– أنهت الطبيبات البريطانيات الجديدات الثلاثة العملية في وقتها؟
في الجملتين (١) و(٢) ثمة عناصر مهمة يجب الالتفات إليها:
أولا: يوجد اسم وقع بعده عدد من الصفات
ثانيا: من بين تلك الصفات كلمة (ثلاث – ثلاثة)، وهي صفة لأنها تصف الاسم السابق
ثالثا: في الجملتين لدينا قاعدتان يجب تطبيقهما: قاعدة مخالفة العدد للمعدود (من ٣ إلى ٩) في التذكير والتأنيث، وقاعدة موافقة الصفة للموصوف في التعريف والتنكير والتذكير والتأنيث والإعراب
رابعا: لا يستطيع المتكلم تطبيق القاعدتين معا في آن واحد، بل لا بد من اختياره واحدة وترجيحها على الأخرى ثم تطبيقها.
فأي القاعدتين أرجح بالتطبيق؟
رجح معظم نحاة العربية تطبيق قاعدة مخالفة العدد للمعدود، ولذلك يكون المثال الوارد في الجملة (١):
١– ”أنهت الطبيبات البريطانيات الجديدات الثلاث العملية في وقتها“
من الأمثلة المختارة لديهم.
وهذا ما ذهب إليه مُحقين بعض قراء صفحتي على فيسبوك.
لكن بعض النحاة أجاز مطابقة العدد للمعدود، إذا تأخر العدد عن المعدود وجاء صفة له، ومن بينهم نحاة مدرسة الكوفة وابن مالك، صاحب الألفية.
وهذا ما أشار إليه صائبين بعض قراء صفحتي على فيسبوك.
وهذا ما يشير إليه المثال في الجملة (٢):
٢– أنهت الطبيبات البريطانيات الجديدات الثلاثة العملية في وقتها
لكن النحاة لم يشيروا – بحسب علمي – إلى حالة وقوع العدد صفة للمعدود في جملة تعددت فيها الصفات، كما حدث في المثال الذي بدأتُ به هذا الشرح، ألا وهو:
”أنهت الطبيبات البريطانيات الجديدات الثلاثة العملية في وقتها“
فإن طبقنا قاعدة مخالفة العدد للمعدود في هذه الحال، فسوف تكون النتيجة هي الجملة (١)،
١– ”أنهت الطبيبات البريطانيات الجديدات الثلاث العملية في وقتها“
وفي تلك الجملة يوجد اسم مؤنث (طبيبات)، نُعت بأكثر من صفة، بعضها موافق له في التأنيث (بريطانيات، جديدات)، وإحداها مذكر (ثلاث).
وهذا تناقض مستكره. إذ كيف يكون ثمة اسم مؤنث له صفتان إحداهما مؤنث، والأخرى مذكر؟
وهذا عينه ما قرأناه في المثال الذي يُتوقع وروده في المواقع الإخبارية:
”عُقدت قمةُ الدولِ الصناعيةِ السبع“
ونظرا إلى هذا التناقض بين صفتي الاسم، أرى أن تطبيق قاعدة موافقة الصفة للموصوف في التذكير والتأنيث هنا أرجح من تطبيق قاعدة العدد. فنقول:
”عُقدت قمة الدول الصناعية السبعة“
ونقول:
”أنهت الطبيبات البريطانيات الجديدات الثلاثة العملية في وقتها“
وهذا ما تنبه إليه الصديق الدكتور محمد صديق عبدالله، وكأنه قد قرأ أفكاري قبل ولادتها.
مرتبط
اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



