لما تزل الحكومة الإسرائيلية تراوغ في المفاوضات بينها وبين حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ولا تريد الإقرار بعزمها البقاء في الأراضي الفلسطينية في غزة. وكانت الحكومة قد وافقت قبل فترة على خطط قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، “للاستيلاء” على قطاع غزة، وربما إعادة احتلاله لفترة غير محددة، تساؤلا مهما، ألا وهو: هل كانت غزة محررة من نير الاحتلال (بمفهومه الواسع) حتى تفكر الحكومة في إعادة احتلالها؟
فكرة ”تحرر“ غزة، فكرة قديمة روجت لها إسرائيل، بعد سحب شارون، لقوات جيش الاحتلال من القطاع في عام ٢٠٠٥، ولما تزل تروج لها حتى الآن.
ومن أجل ذلك لم تستخدم تصريحات الحكومة كلمة “احتلال”، التي يتحاشاها نتنياهو هو ووزراؤه، بل أشارت، بدلا من ذلك، إلى “خطة لتوسيع الهجوم العسكري على حماس .. تتضمن “الاستيلاء” على غزة والاحتفاظ بأراضيها .. (بشن) “عملية قوية” لتدمير حماس وإنقاذ بقية رهائن غزة”.
وثمة للأسف بعض السياسيين والمحللين العرب الذين وقعوا في شرك هذه الصياغة المضللة التي يستخدمها الخطاب السياسي الإسرائيلي.
وقد أذهلني ما قاله قبل أسابيع قليلة أحد السياسيين المصريين في حوار بشأن المقاومة الفلسطينية، حينما حملها مسؤولية الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل قائلا: ”.. غزة كانت محررة .. وأصبحت محتلة، وليست فقط محتلة، ولكن فيها حرب إبادة جماعية“.
فهل كانت غزة فعلا ”محررة“ قبل السابع من أكتوبر؟
رأي محكمة العدل الدولية
لتفنيد هذه المقولة نبدأ بما قالته أرفع هيئة قانونية دولية، ألا وهي محكمة العدل الدولية في ١٩ يوليو ٢٠٢٤، وهو تاريخ ليس ببعيد، عندما طلبت منها الجمعية العامة للأمم المتحدة الرأي في ”العواقب القانونية الناتجة عن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة“.
قالت المحكمة في ردها الذي تبنته ما فحواه: ”إن استمرار وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة يُعد غير قانوني .. وطالبتها بإنهاء وجودها غير القانوني هذا .. بأسرع وقت ممكن، ووقف جميع أنشطة الاستيطان الجديدة، وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار التي لحقت بهم نتيجة هذه السياسات.“
لكن ما الذي قصدته المحكمة بعبارة ”الأراضي الفلسطينية المحتلة“؟
حددت المحكمة معنى هذه العبارة بأنها: ”الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام ١٩٦٧، بما في ذلك الضفة الغربية، والقدس الشرقية، وقطاع غزة – وتُشكِّل ”الأراضي الفلسطينية المحتلة“، من الناحية القانونية، وحدة إقليمية واحدة.“
وهذا يعني قانونيا أن جميع الأراضي التي استولت عليها إسرائيل بعد حرب ١٩٦٧، ومن بينها غزة، والقدس الشرقية، ما زالت محتلة.
وألزمت المحكمة ”جميع الدول والمنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة .. بعدم الاعتراف بشرعية هذا الوضع وعدم تقديم أي دعم له“.
وبناء على هذه الفتوى القانونية من محكمة العدل الدولية نستطيع أن نقول إن غزة كانت محتلة منذ عام ١٩٦٧، وظلت محتلة بعد ذلك، ولما تزل محتلة حتى الآن.
فمتى كانت غزة ”محررة“ كما يروج الخطاب السياسي الإسرائيلي، وكما يدعي بعض المحللين؟
أوسلو وما بعدها
إن عدنا إلى الوراء قليلا، فسنجد أن إسرائيل، على الرغم من توقيعها اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين في عام ١٩٩٣، لم تسحب قواتها من قطاع غزة ولا من معظم مناطق الضفة الغربية. وظلت المنطقتان محتلتين.
وربما يقول قائل: لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، أريل شارون، انسحب من غزة في عام ٢٠٠٥! أفلا يعني هذا أنها تحررت؟
قصة هذا الانسحاب ترجع إلى الوقت الذي قرر فيه شارون، في خطوة منفردة، سحب قوات جيش الاحتلال من غزة، عند تطبيقه لما سماه آنذاك ”خطة فك الارتباط“، التي أعلنها في ٢٠٠٤“.
ولم يكن هدف شارون أبدا، كما قد يتوهم بعضنا، ”تحرير غزة“، بل ”التخلص من عبء بقاء احتلال القطاع“ على قواته. ولهذا أثار قراره معارضة شديدة من بعض المستوطنين وبعض اليمينيين المتدينين المتشددين في إسرائيل.
فهل تحررت غزة بعد سحب شارون قواته من القطاع؟
كلا!
الاحتلال لم ينته
لقد حافظت السياسات التي فرضها شارون بعد ذلك، واتبعها رؤساء الوزراء الآخرون من بعده، على استمرار احتلال القطاع بطريقة غير مباشرة. وتمثل ذلك في فرض سيطرة إسرائيل على حدود غزة كافة:
١- الحدود البرية: إذ ظلت إسرائيل تمارس سيطرتها على المعابر الرئيسية، مثل معبر إيريز، ومعبر كرم أبو سالم، وسمح لها هذا بالتحكم في حركة تنقل الأفراد ونقل البضائع. وأفضى ذلك إلى فرض قيود شديدة على خروج الفلسطينيين من القطاع ودخولهم إليه، وفرض قيود على السلع كذلك، مما أثر في الاقتصاد المحلي.
٢- الحدود البحرية: إذ فرضت إسرائيل منطقة حظر بحري على طول ساحل غزة، وأدى هذا إلى الحد من قدرة الصيادين الفلسطينيين على ممارسة عملهم بحرية. وكان لهذا الإجراء تأثير كبير في سبل عيش عدد كبير من العائلات التي تعتمد على الصيد مصدرا رئيسيا للدخل.
٣- الحدود الجوية: إذ هيمنت إسرائيل على المجال الجوي فوق غزة برمته، وحال ذلك دون تشغيل الفلسطينيين لأي مطار، أو استخدام المجال الجوي لأي غرض آخر.
كانت هذه السياسات في حقيقتها إذن استمرارا لاحتلال غزة بشكل غير مباشر. وكان من تبعاتها: زيادة البطالة، وتدهور التجارة بسبب نقص المواد الخام المستوردة، وتدمير البنية التحتية الاقتصادية من جراء الهجمات العسكرية المتكررة والحصار، وزيادة الاعتماد على المساعدات الدولية.
وأثر ذلك بدوره في حياة الفلسطينيين اليومية، فزادت معدلات الفقر، وتزعزع الاستقرار الاجتماعي.
تعريف الاحتلال في القانون الدولي
تعرضت تلك السياسات الإسرائيلية لانتقادات منظمات دولية لحقوق الإنسان. وكان رد إسرائيل على ذلك هو أنها لم تعد تسيطر فعليا على القطاع بعد انسحاب قواتها منه.
وهذا يثير التساؤل بشأن تعريف الاحتلال في القانون الدولي.
وهنا تشير مواد اتفاقية جنيف الرابعة، التي صدرت في ١٢ أغسطس عام ١٩٤٩، والتي تعنى بحماية المدنيين وقت الحرب، إلى أن أي إقليم أو منطقة تعد محتلة إذا وقعت تحت السيطرة الفعلية لقوة معادية، حتى دون وجود قوات تلك القوة على الأرض فعليا.
ولهذا يمكننا القول إن استمرار سيطرة إسرائيل على حدود غزة البرية والجوية والبحرية، ومواصلتها حصار القطاع بما يؤثر في حياة سكانه يوميا يعد قانونيا احتلالا.
كما أن كثيرا من تقارير الأمم المتحدة، مثل تقارير مجلس حقوق الإنسان تؤكد أن غزة ما زالت تقع تحت نير الاحتلال.
فكيف يستطيع سياسي أو محلل، أو خطاب سياسي صيغ بلغة مضللة، بعد ذلك، الادعاء بأن غزة كانت ”محررة“؟
وهل ثمة شعب ”محرر“، ليس في مقدوره الحصول على ما يحتاجه من إمدادات غذائية وطبية، ووقود، وتوفير ما يحتاجه من مياه وكهرباء، وصرف صحي، بحرية وبلا قيود، بحسب ما يقوله تقرير الأونروا رقم ١٦٧، الذي يغطي الأوضاع في غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس، الشرقية، من الفترة ما بين ٩ إلى ١٥ أبريل، والذي صدر في ١٧ أبريل ٢٠٢٥؟
استمرار الحروب
ثم إن إصرار إسرائيل على مواصلة هجماتها العسكرية التي أطلقت عليها وصف ”جز العشب“ منذ عام ٢٠٠٨-٢٠٠٩، والتي تهدف إلى تقليص قدرات المقاومة وإنهاكها، لا يمكن معه ألبتة الادعاء بأن غزة ”تحررت“ بعد انسحاب شارون منها. إذ شن جيش الاحتلال عدة حروب، كان من بينها:
- ما سمي بـ”الرصاص المصبوب“ (٢٠٠٨-٢٠٠٩)
- و”عامود السحاب“ (٢٠١٢)
- و”الجرف الصامد“ (٢٠١٤)
- و”صيحة الفجر“ (٢٠١٩)
- وهجمات أخرى خلال عامي (٢٠٢١ و٢٠٢٢)
وأحسب أنه ينبغي لمن ينبري بعد ذلك بالادعاء بأن غزة كانت ”محررة“ قبل طوفان الأقصى أن يوضح لنا مفهوم ”التحرر“ في قاموسه.
مرتبط
اكتشاف المزيد من أَسْرُ الْكلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



